كنت على وشك الانتهاء من برنامج البورد السعودي لزمالة الباطنية عام 2008 عندما قرأت تقريرًا طبيًّا لمريض سرطان يعاني آلامًا شديدة، ويحتاج إلى متابعة مع طبيب متخصص في الرعاية التلطيفية، في ذلك الوقت لم يكن هذا التخصص منتشرًا بشكلٍ واسعٍ أو معروف، سواء عند الكوادر الصحية أو بين أوساط المجتمع.

 

كما أن هذه الخدمة لم تكن متوفرة بكامل فريقها المتخصص في المملكة إلا بمستشفيات قليلة جدًّا، وكان من أوائل المستشفيات التي حازت السبق في هذا المجال مستشفى الملك فيصل التخصصي؛ حيث بدأ مفهوم الرعاية التلطيفية يطبق في أوائل التسعينيات بالمملكة.

بقلم د معيض زاهر الشهري- استشاري طب تلطيفي وباطنية

 

 

والرعاية التلطيفية Palliative Care -بمفهومها الشامل- يقصد بها أحد أنواع الرعاية الصحية الهادفة إلى تحسين جودة حياة المرضى والأُسر الذين يواجهون المصاعب المصاحبة للأمراض الخطيرة، كالسرطان والأورام والإيدز والفشل الكلوي وأمراض القلب المزمنة والأمراض العصبية الشديدة.

ومدار العمل في هذا التخصص حول العناية بالمريض بشكل شامل من عدة نواحٍ، تتمثل في الجوانب الصحية، الاجتماعية، الدينية، والوظيفية، وتمتد إلى الاهتمام بذوي المريض، والتركيز على جودة الحياة للسيطرة على الأعراض بشكل عام، وتخفيف المعاناة والآلآم بشكل خاص.

وقد عرفت منظمة الصحة العالمية (WHO) هذا الشكل من الرعاية بأنه المعني بتحسين حياة المرضى وأسرهم الذين يواجهون المشاكل المرتبطة بالأمراض المهددة للحياة، من خلال الوقاية وتخفيف المعاناة ومعالجة الآلام، وغيرها من المشاكل الجسدية والنفسية والاجتماعية والروحانية، جنبًا إلى جنب مع العلاجات التي يتلقاها المريض، بجانب تقديم المساندة والتوجيه لعائلة المريض والمقربين منه.

ويعمل فريق من الأطباء المتخصصين والمؤهلين تأهيلًا عاليًا بالتعاون مع الكادر الطبي على توفير الرعاية التلطيفية؛ من أجل تحسين جودة حياة المرضى.

فالمعاناة والآلام التي يعانيها كثير من المرضى في المراحل المتقدمة من المرض جعلت مفهوم الرعاية التلطيفية ومسارها ركنًا أساسيًّا في عملية الرعاية ووضع الخطط العلاجية.

استقبلت بعيادتي حالة محولة من إحدى مناطق المملكة للرياض؛ بحثًا عن العلاج التلطيفي، حيث كان المريض مصابًا بسرطان البروستات، الذي انتشر حتى وصل إلى الفقرات السفلية بالظهر؛ ما جعله يعاني آلامًا شديدة لعدة أشهر، لم يستطع معها الحركة أو النوم بصورة طبيعية، فكان شبه مقعد على كرسي متحرك.

ولم يكن المريض وحده الذي يعاني، فشملت المعاناة ذويه أيضًا؛ ما استدعى تنويمه بقسم الطب التلطيفي بالمستشفى؛ وتم وضع خطة علاجية ارتكزت على علاج الآلآم الشديدة للمريض، بالإضافة إلى تدخل فريق الرعاية التلطيفية المتكامل؛ لتغطية عدة جوانب شملت النفسية والاجتماعية والروحية والعلاج الطبيعي والتغذية.

وبعد نحو أسبوع من تدخل فريق الرعاية التلطيفية، والتركيز على الجودة في تقديم الرعاية الصحية؛ بدأ المريض بفضل من الله يشعر بشيء من التحسن، وظهر علامات السعادة على وجهه، كما أنه استغنى عن الكرسي المتحرك، وبات قادرًا على النوم والتحرك والمشي على قدميه بشكل طبيعي بعد أن ظل يعتمد على أسرته لمدة طويلة.

وهنا يطرح البعض سؤالًا، هل تتطلب جميع الأمراض رعاية تلطيفية؟ وهل هذه الرعاية قاصرة على مرحلة عمرية معينة (مرحلة نهاية العمر)؟

الرعاية التلطيفية تقدم لأي شخص يُصاب بمرض يُهدد حياته، سواء على مستوى الكبار والبالغين أو الأطفال، ومن أبرز تلك الأمراض السرطان، وأمراض القلب المزمنة، وأمراض الرئة المستعصية، والفشل الكلوي، والفشل الكبدي والتشمع، ونقص المناعة المكتسب، والزهايمر، والاضطرابات التنكسية سواء كانت عقلية أو جسدية.

إذن.. فهذه الرعاية لا ترتكز على عمر محدد، ولكنها تستهدف المصابين بأمراض خطيرة، كالسرطان وغيره في مختلف مراحل العمر، سواء أطفال أو كبار.

ويعد الهدف الأعظم من الرعاية التلطيفية هو تقديم أكبر قدر من الدعم للمريض وأسرته، إلى جانب تخفيف حدة الأعراض المصاحبة للمرض، من خلال السيطرة عليها، كالشعور بالألم أو الإرهاق أو ضعف الشهية أو القلق، وبالتالي زيادة معدل التزام المريض بالخطة العلاجية المقترحة من الفريق الطبي المعالج، كذلك تستهدف تحسين جودة الحياة، وتمكين المرضى من القيام بأعمالهم اليومية، وتقديم المساندة والتوجيه لعائلة المريض، ولا تقتصر تلك الرعاية التلطيفية على الجانب العلاجي فقط؛ بل إن هناك جوانب أخرى تخفف من معاناة المرضى.

وتتلخص أبرز خدمات الرعاية التلطيفية في:

  • الاستماع لما يهم المريض والمقربين له.
  • السيطرة على الألم والمسببات الأخرى لعدم الراحة، سواء كان ذلك بالتدخل الدوائي أو السلوكي.
  • منح الوقت اللازم لشرح كل خيارات العلاج المتوفرة، والتأكد من فهمها قبل اتخاذ أي قرار.
  • حماية القرارات الشخصية واحترامها فيما يخص نوعية العلاج التي يرغب بها المريض.

 

ولأنه من الصعوبة بمكان أن يقوم الطبيب المختص أو التمريض بمفردهما بتقديم كل هذه الخدمات؛ كان من الطبيعي أن تتولد فكرة تقديم هذا النموذج الخاص من الرعاية الطبية متعددة المهامmultidisciplinary team .

ويحتاج هذا النوع من الرعاية إلى المدخلات التي يقوم بها الأطباء والممرضون والمعالجون المهنيون والفيزيائيون وعلماء النفس والأخصائيون الاجتماعيون وأخصائيو التغذية وغيرهم؛ من أجل وضع خطة رعاية شاملة ومتكاملة هدفها الأكبر تخفيف المعاناة عن المرضى في كل مجالات، وبذلك تكون هناك إمكانية لفريق الرعاية التلطيفية للتعامل مع الأمور الجسدية والعاطفية والروحانية والاجتماعية التي تظهر مع تقدم المرض.

إن التركيز على جودة حياة المريض قد تزايد -بشكل كبير- خلال السنوات الأخيرة. واليوم، في المملكة العربية السعودية، توفر الكثير من المستشفيات برنامجًا للرعاية التلطيفية، كما تدور كل التطويرات الحديثة نسبيًّا حول مفهوم فرق الرعاية الصحية المخصصة لتحقيق الرعاية التلطيفية.

وفي ظل التحول الوطني ورؤية المملكة 2030 التي تستهدف تحسين جودة الحياة والرعاية المقدمة للمرضى؛ اعتمدت وزارة الصحة هذا النموذج الخاص من الرعاية، حيث بدأت في تطبيق هذا المفهوم عام 2010 بمدينة الملك فهد الطبية كأول مستشفى حكومي (تحت مظلة الوزارة) يقدم الرعاية التلطيفية بشكل متكامل للمرضى وأسرهم، ولم يقتصر الأمر على ذلك؛ بل امتد ليشمل التدريب وإطلاق برنامج الزمالة السعودية للطب التلطيفي عام 2013.

وبجانب مستشفيات القطاع الخاص، التي دخلت في تقديم مثل هذه النوعية من الخدمات، تمدد مفهوم الرعاية التلطيفية بوزارة الصحة ليشمل عدة مستشفيات حكومية، ومن أبرزها مجموعة الدكتور سليمان الحبيب ممثلة في مركز الأورام بمستشفى د. سليمان الحبيب بالسويدي، والذي يعد من المراكز الرائدة في تشخيص وعلاج الأورام للأطفال والكبار بجانب علاج الآلآم وتقديم خدمات الرعاية التلطيفية للمرضى الذين هم بحاجة إليها.