ربما كانت بعض المعالجات التجميلية حاجة ملحة للبعض، إلا أن الممارسات المبالغ فيها التي ظهرت في هذه الآونة، قد أخذت منحنى سلبيًّا آخر؛ مسببة الضرر البالغ جراء السعي إلى الحصول على المظهر التجميلي المطلوب.

معالجة الأسنان غير المنتظمة من خلال تقويم الأسنان كانت الحل المثالي لهذه المشكلة، وبما أن أنواع التقويم كثيرة والطرق المستخدمة فيه متعددة؛ فقد كان النصيب الأكبر والظهور المنتشر للنوع الأكثر شيوعًا في العالم والمعروف باسم (التقويم المعدني) أو التقويم اللوني كما يصفه البعض، ويقوم استخدام هذا النوع من أجهزة التقويم على أسس ميكانيكية وحيوية ومتابعات دورية بشكل منتظم من قبل أخصائيين مؤهلين خضعوا لتدريب مكثف؛ حتى يتمكنوا من إتقان مثل هذا النوع من المعالجات.

بقلم د. يوسف نبيل الغريب -ماجستير تقويم الأسنان- اختصاصي تقويم الأسنان والفكين

 

على الرغم من المتابعة الدقيقة من قبل هؤلاء الإخصائيين، إلا أنه في بعض الحالات قد تحدث بعض الأمور التي تخرج عن السيطرة كحركات الأسنان غير المرغوبة، أو عدم استجابة بعض الأسنان لبعض القوى المنفذة أو لأسباب أخرى لا يتسع المجال لذكرها والتي قد تسبب نتائج لم تكن بالحسبان؛ لذلك كانت الحاجة ملحة إلى وجود اختصاصي في تقويم الأسنان مؤهل لمتابعة المعالجة بشكل دوري مرة واحدة في كل شهر، على سبيل المثال؛ حتى تتم السيطرة بشكل فوري على أي نتيجة غير مرغوبة، وإعادة خطة المعالجة إلى سيرها الصحيح في الوقت  المناسب؛ لكي لا تتطور الأمور، وتفقد السيطرة عليها، وتصبح المعالجة أكثر تعقيدًا، وربما كان الحصول بعدها على النتيجة المثالية أمرًا أشبه بالمستحيل.

وإذا كان الحال كذلك، في ظل هذه الظروف المثالية من (طبيب مختص، ومواد بجودة عالية، وأدوات موثوقة، ومتابعات مستمرة)؛ فكيف سيكون الحال في حال انعدم واحد أو أكثر من هذه المعايير الضرورية.

وقد كانت ظاهرة تقويم الزينة من الظواهر التي تدل على انعدام جميع مبادئ الإنسانية والأخلاقيات والمبادئ الطبية؛ حيث انتشر في الآونة الأخيرة بعض المصطلحات المستحدثة في مجال طب الأسنان، كان هدفها الترويج لبعض الخدمات التي يقدمها بعض الأطباء بعيدًا عن المصداقية العلمية وأخلاقيات المهنة؛ بغية تحقيق الكسب المادي السريع، ومن هذه المصطلحات: العلاج بدون ألم، وضمان مدى الحياة، وزراعة الأسنان بدون جراحة، أو تبييض الأسنان مدى العمر، أو تقويم الزينة، وغيرها الكثير مما لا يتسع لحصره المجال.

 

وأصبح اليوم ما كان بأداة من أدوات المعالجات الطبية التي تستدعي إشراف الخبراء في نفس المجال سلعة مهملة تتلقاها أيدي ضعاف النفوس من المتطفلين على مهنة الطب، ويزداد الحال سوءًا إذا كان هؤلاء المتطفلون أطباء، ولكنهم غير مؤهلين للخوض في مثل هذه التخصصات.

ولعل هذا هو الحاصل بالضبط عندما، يقوم بعض الأطباء غير المؤهلين أو عوام من الناس بالترويج لتقويم الزينة من خلال بيع بعض السلك والحاصرات المعدنية، وتتويجها ببعض الألوان الزاهية بهدف إغراء المراجعين بأن ما سيتم إلصاقه على الأسنان هو من باب الزينة وآخر صيحات الموضة، أو عندما يتم إقناع صغار السن والمراهقين بأن ما سيتم إلصاقه على أسنانهم سيعطيهم إطلالة جذابة وابتسامة مميزة مفعمة بالألوان الفاقعة التي تتناسب مع هيئتهم العامة، من خلال مطابقة ألوان هذا النوع من التقويم مع لون الملابس أو الحقائب التي يحملونها، أو ربما لون الحذاء الذي يرتدونه.

 

وثمة أساسيات طبية لا يمكن تجاهلها، منها التأكد من جودة وطبيعة المواد المستخدمة وملاءمتها الحيوية قبل وضعها داخل الفم، إلا أن ما يحدث في تقويم الزينة هو العكس تمامًا، حيث جرت العادة أن يتم استيراده من شركات مجهولة المصدر، أو تصنيعه من مواد رديئة الصنع على أقل تقدير، ولذلك سجلت الدراسات العلمية انعكاس تلك المعايير السيئة وآثارها السلبية على بعض الحالات التي قامت بتركيب تقويم الزينة، والتي انتهى بها المطاف بحدوث مضاعفات كبيرة، بعضها قابل للسيطرة، وبعضها الآخر أدى إلى فقدان الأسنان أو ربما ظهور بعض الالتهابات والقرح أو حتى الأورام، وهذه نتيجة حتمية لأي معالجة طبية لا تكون في محلها، ولا يتم تنفيذها حسب الأصول الطبية والمهنية.

والخلاصة أننا يمكن أن نحصر جميع المخاطر التي قد تحدث نتيجة لتركيب مثل هذا النوع من التقويم غير المصرح باستخدامه من جميع المؤسسات والجمعيات الطبية والعلمية المعتبرة، في ما يلي:

 

١ -تسوس الأسنان

يحدث تسوس الأسنان كنتيجة طبيعية لقلة المتابعة الدورية أو انعدامها؛ حيث جرت العادة أن مرتادي هذا النوع من التقويم يقومون بتركيبه بهدف الزينة، ولأغراض الموضة فقط؛ ولذلك لا يهمهم المتابعات الدورية بشكل شهري من قبل طبيب الأسنان، وهذا بدوره يزيد من التراكمات الجيرية بشكل كبير، وأخيرًا من تجمع الأطعمة حول القطع المعدنية مسببًا التهابات في اللثة، فالبكتيريا تقوم بتحليل تلك الأطعمة وتفرز أحماضها الخاصة التي تبدأ بتذويب طبقات الأسنان؛ ما يؤدي في نهاية الأمر إلى تسوس الأسنان، ويزداد الأمر سوءًا في حال استمر التسوس بدون معالجة؛ فقد يصل إلى عصب السن، ويسبب آلامًا لا يمكن تحملها، ويستحيل معالجتها إلا من خلال نزع العصب، وإعادة معالجة الجذور، ومن ثم اللجوء للتركيبات؛ حتى يتم الحفاظ على السن من الانهيار وخاصة مع الفئة التي لا تفضل زيارة أطباء الأسنان أو حتى متابعة حالتهم معهم بشكل دوري.

 

٢ -حركة الأسنان غير المرغوبة

قد يحدث هذا الأمر بسبب مرونة الأسلاك التي يتم وضعها على الأسنان؛ فالأسنان بطبيعتها تستجيب لأي مؤثر خارجي بسبب ارتباطها بأربطة مرنة تساعدها على التحرك في جميع الاتجاهات، وبالتالي تعرض الأسنان لقوى مستمرة من تلك الأسلاك على مدار الساعة لأسابيع أو أشهر أو ربما لسنوات يجعلها تتحرك في اتجاهات مختلفة دون أدنى سيطرة عليها؛ ما يجعلها تبدو بالنتيجة غير منتظمة ومشوهة، وبكل تأكيد ستنعكس تلك التشوهات على الابتسامة، وربما أدت في النهاية إلى ظهور الجذور من العظم واللثة مسببة فقدان الأسنان.

 

٣ -تصبغ الأسنان بالبقع البيضاء

مينا السن هو الجزء الأكثر صلابة، وتعود تلك القوة بسبب احتواء هذا الجزء على معادن مختلفة بنسب عالية من بينها الهيدروكسي أبتيت والذي يشكل الكتلة الأكبر في تكوين المينا، وبالتالي تعمل المينا كحاجز قوي لحماية الأسنان، ولكنها على الرغم من ذلك قد تكون عرضة للتآكل بفعل الأحماض البكتيرية التي تفرز بسبب تراكم الأطعمة حول تلك الحاصرات المعدنية والأسلاك، والتي قد تفقد السن جزءًا من تلك المعادن المختزنة في طبقة المينا، وهذا بدوره يجعل الأسنان تبدو بمظهر مشوه بسبب البقع الظاهرة في الأماكن التي فقدت جزءًا من تلك المعادن على سطح السن.

 

تقويم الزينة

 

٤ -التهابات اللثة

وتلك نتيجة حتمية في حال كان هناك إهمال في الأسنان، سواء في وجود جهاز التقويم المعدني أو في حالة عدم وجوده، والجدير بالذكر أن تقويم الأسنان بحد ذاته هو عملية حيوية ميكانيكية قائمة على مبدأ الالتهاب حتى نستطيع فيها تحريك الأسنان،وحتى تتضح الصورة أكثر سأضرب مثالًا لطريقة تشكل هذا الالتهاب، عندما يتعامل الجسم مع حركة الأسنان التي يسببها التقويم على أنه التهاب قائم، فمثلًا لو أردنا تحريك السن من النقطة أ إلى النقطة ب؛ فإن الجسم يقوم بتحفيز الخليات الهادمة للعظم لتقوم بهضم وتذويب العظم الذي يكون أمام السن؛ حتى يستطيع أن يشق طريقه باتجاه الهدف، وبطبيعة الحال سيستمر ذلك السن بالمضي قدمًا باتجاه النقطة ب في اللحظة نفسها التي يقوم فيها الجسم بتحفيز الخليات البانية للعظم؛ لتقوم بإعادة بناء تلك الفجوات التي سببتها الخلايا الهادمة خلف السن مباشرة، وهذا بدوره يجعل اللثة تحاكي تلك التغيرات، وتنسجم معها ويجعلها في حالة استنفار ونشاط مستمر بسبب تلك التغييرات الحاصلة على مستوى السن واللثة والعظم، وهذا ما يعرف بالالتهاب المصاحب للمعالجات التقويمية، وبالتالي سيكون الأمر أكثر صعوبة في حال حدثت جميع هذه الأمور بدون متابعة شهرية مع الطبيب، وتنظيف دوري للتراكمات الجيرية؛ حتى لا تحدث أي التهابات في اللثة، وهذا لا يحدث مطلقًا في تقويم الزينة.

 

٥ -ظهور القرح الفموية

إن المواد المصنوع منها هذا التقويم تكون في الغالب مجهولة المصدر، ولا يعرف مدى سلامتها؛ ما يسبب القرح داخل الفم؛ لأن التقويم يكون داخل فم الشخص لفترات طويلة، فقد جرت العادة أن يتم صناعة أجهزة التقويم في معامل طبية متخصصة، وعلى أيدي خبراء متخصصين؛ للتأكد من أدق التفاصيل وحتى تكون آمنة غير مسببة المخاطر على المدى الطويل.

 

٦ -ذوبان في جذور الأسنان

عندما تتعرض الأسنان لقوى غير محسوبة؛ فإن هذا يؤثر على جذور الأسنان، ويسبب تآكلها في حال كانت تلك القوى زائدة عن الحد الطبيعي المسموح به، وهذا غالبًا ما يحدث عندما يقم الأشخاص غير المتخصصين بتركيبه؛ لأنهم ليس لديهم المعلومات الكافية لتقدير تلك القوى بشكل صحيح.

 

٧ -الإصابة بالأمراض المعدية

وتلك -أيضًا- نتيجة حتمية إذا كانت عملية تركيب تقويم الزينة تتم في صالونات التجميل أو في أي مكان آخر غير معدٍّ صحيًّا، أو خارج أجواء التعقيم الطبية الموجودة في العيادات الطبية والمستشفيات، فتركيبه على يد هواة غير مختصين لا يملكون الأساسيات الطبية لقواعد التطهير وتعقيم الأدوات المستخدمة يجعل أي شخص يلجأ لتركيب مثل هذا النوع من التقويم عرضة للإصابة بأعداد لا حصر لها من الأمراض المعدية.

وفي نهاية هذا المقال، ننصح بالابتعاد عن مثل هذه المعالجات المزيفة، وأن نتقبل ابتسامتنا كما هي، وفي حال كنا بحاجة لتحسين ابتسامتنا؛ فيجب علينا أن نبحث عن المراكز والأطباء الموثوقين الذين يحرصون على صحة وسلامة المراجعين قبل أي معالجة.

 

تقويم الزينة