عيادة أسرار

المرونة النفسية للتغلب على مصاعب الحياة

تُعرّف المرونة في علم الفيزياء بأنها قدرة المادة على العودة إلى حالتها الأصلية بعد تعرضها لحالة من الضغط الشديد أو الحرارة الشديدة أو أي قوة خارجية أخرى. ولكن ليست هذه المرونة المقصودة، سنتحدث في هذا المقال عن مفهوم المرونة النفسية وماذا يقصد بها؟

بقلم أ. شعاع العوفي -ماجستير علم نفس.

 

عرفت الجمعية الأمريكية لعلم النفس المرونة النفسية بأنها “عملية التوافق الجيد والمواجهة الإيجابية للشدائد والصدمات والضغوط النفسية التي يواجهها الفرد مثل: المشكلات الأسرية، مشكلات العلاقات مع الآخرين، المشكلات الصحية، ضغوط العمل، المشكلات المالية”.

كما تعني المرونة النفسية القدرة على التحمل ومواجهة المصاعب، والقدرة على التعافي من التأثيرات السلبية لمحن الحياة وأحداثها الضاغطة والعودة إلى الحالة التي كان عليها الفرد قبل تعرضه للصدمات أو الكوارث.

تعتبر المرونة النفسية وسيلة وليست غاية، فهي لن تحل المشكلات لكنها تساعد الفرد في التعامل مع الضغط النفسي بشكل جيد، فالأفراد ذوي المرونة النفسية الجيدة قادرين على مواجهة الأحداث الضاغطة والمواقف الصعبة بصورة إيجابية ويعتبرونها تحديات وفرص للتعلم والارتقاء الشخصي. ولا يعني هذا أن الشخص لا يمر بالمشاعر التي ترافق المواقف الصعبة بل يمر بها مثل غيره ولكنه يجيد التأقلم والتكيف مع الظروف المختلفة وتخطيها بالشكل الصحيح. وتجدر الإشارة إلى أن المرونة النفسية ليست سمة شخصية يمتلكها البعض دون الآخرين، بل هي مهارة يمكن تعلمها واكتسابها.

ولأن طبيعة الحياة تحمل العديد من المنغصات والأزمات حيث لا يمكن تصور حياة بدون متاعب أو مصاعب قال تعالى:(لقد خلقنا الإنسان في كبد) سورة البلد الآية 4 أي في شدة ومشقة، حيث يتعرض الإنسان إلى بعض التغيرات والمشاكل. وكما نواجه اليوم أزمة صحية عالمية مع فيروس كورونا المستجد كوفيد-19 حيث تأثرت معظم جوانب الحياة، ففي بداية الأزمة أغلقت المدراس وصارت الدراسة عن بعد، وأصبح على البعض أن يعمل عن بعد، وتم إغلاق المساجد وسمعنا المؤذن يردد “صلوا في رحالكم” وشاهدنا منظر الحرمين الشريفين خالٍ من المصلين، ثم فترة الحظر الجزئي والكلي. وبعد ذلك بدأت مرحلة العودة بحذر وعودة الحياة لطبيعتها ومزاولة الأنشطة بعد انقطاع طويل، وتفاوت تقبل الناس لهذه المرحلة ما بين قلق وخوف وتردد، والتوكل على الله مع الالتزام بالإجراءات الاحترازية، وما بين تراخى واستهتار. ونعيش الآن مرحلة جديدة شعارها “نتعاون ما نتهاون” بعد أن تم الإعلان مؤخراً في 21/جمادى الثاني/1442هـ الموافق 3/فبراير/2021م عن البدء في تنفيذ عدد من الإجراءات الوقائية والاحترازية تزامناً مع ظهور مؤشرات لارتفاع في المنحنى الوبائي في بعض مناطق المملكة. ومما لا شك فيه أن تلك التغيرات سواء البسيطة أو المفاجئة وغير المتوقعة تشكل ضغطاً نفسياً على الفرد يسعى لمواجهتها بطرق مختلفة، وبالتالي تظهر أهمية المرونة النفسية للأفراد كعامل مساعد لمواجهة الشدائد والأزمات ولتحقيق صحة نفسية جيدة.

العوامل المساهمة في تحقيق المرونة النفسية:

يوجد مجموعة من العوامل التي تساهم في تحقيق المرونة النفسية لتمكين الأفراد على تجاوز التأثيرات السلبية للأحداث الضاغطة وسرعة التعافي منها، من هذه العوامل:

  • القدرة على التخطيط واتخاذ الخطوات والإجراءات اللازمة لتحقيق الأهداف.
  • النظرة الإيجابية للذات والثقة في القدرات والإمكانيات الشخصية.
  • اكتساب مهارة حل المشكلات.
  • القدرة على إدارة الانفعالات والمشاعر.

 

طرق بناء المرونة النفسية :     

يختلف بناء المرونة النفسية وتنميتها من شخص لآخر، حيث لا يستجيب جميع الأشخاص بنفس الطريقة للصدمات ولأحداث الحياة الضاغطة، وبالتالي فإن الطريقة التي قد تكون فعالة في بناء المرونة النفسية لشخص ما، قد لا تكون فعالة بالنسبة لشخص آخر. وفيما يلي بعض من هذه الطرق:

  • التواصل مع الآخرين: التواصل مع العائلة والأصدقاء وبناء علاقات جيدة مع الآخرين فالدعم وتقبل المساعدة منهم عامل مهم، كما يمكن تنمية المرونة النفسية من خلال النشاطات الاجتماعية كالتطوع وغيره.

 

  • النظر للأزمة كفرصة: تجنب الاعتقاد بأن الأزمات والأحداث الضاغطة مشكلات لا يمكن تخطيها، فالصعاب والشدائد جزء من واقع الحياة لا يمكن تغيره ولكن بالإمكان تغير الطريقة التي ندرك ونفسر ونستجيب بها لهذه الأحداث. كما أن الأزمات تخرج ما بداخل الإنسان من قدرات وتكسبه مهارات جديدة، فكل أزمة هي فرصة حقيقية لاختبار قدرة الشخص على التكيف والتعامل مع المواقف الصعبة.

 

  • التكيف مع الأحداث: تقبل التغير والظروف التي لا يمكن تغيرها، فالحياة لا تسير على وتيرة واحدة فهي متغيرة، تتغير من حين لآخر. ويقصد بالتقبل التعامل مع الأشياء كما هي بالضبط، لا كما تراها أنت من منظورك الشخصي، ولا يعني ذلك الاستسلام أو الموافقة، بل يعني المضي قدماً في الحياة. فالتكيف مع شدائد الحياة وصدماتها وقبول التغيرات يساعدك في التركيز على أهدافك وعلى الظروف الأخرى القابلة للتغير والسيطرة.

 

  • تقييم المواقف: عندما تواجه أحداثاً ضاغطة ومؤلمة في حياتك، قيم الموقف في سياقه وحجمه الطبيعي وتجنب التفكير التضخيمي. إن كل مشكلة تحدث لك لها حجمان: حجم حقيقي متصل بالواقع، وحجم متصل بتفكيرك تصنعه بنفسك، فالتفكير التضخيمي يجعل تعاملك مع المشكلة مشوهاً وحاداً حيث تؤمن أن مشكلتك أكبر من قدرتك على التحمل فتشعر بالعجز وتصف المشكلة بطريقة مبالغ فيها لا تساوي حجمها في الحقيقة.

 

  • التعلم من الخبرات: التعلم من الماضي وما مررت به من تجارب والتفكير في المهارات والاستراتيجيات التي ساعدتك على تجاوز الصعاب بسهولة أكثر.

 

  • التفاؤل: التفاؤل يعزز المرونة النفسية ويساعد على التعافي برغم الصعوبات، فالأحداث المؤلمة والصعبة ستنتهي وتمضي، وكل مُر سيمر ليأتي باليُسر الذي يسر. كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعجبه الفأل وينهى عن الطيرة.

 

  • الاهتمام بالنفس: العناية بالنفس والمشاركة في الأنشطة والهوايات واتباع السلوكيات الصحية كممارسة الرياضة والأكل الصحي والنوم الجيد يساعد في التماسك والاستعداد لأي حدث ضاغط أو طارئ.

 

  • طلب المشورة: في حال عدم التمكن من التغلب على الضغوطات فلا بأس بطلب المشورة والمساعدة من الأخصائي النفسي لمساعدتك على تجاوز هذه الضغوطات وتنمية مهارة المرونة النفسية.

بعد التعرف على مفهوم المرونة النفسية وأهميتها وطرق بنائها نشير إلى دور الأسرة في تنمية المرونة لدى الأطفال من خلال بناء علاقة أسرية إيجابية مع الطفل مبنية على التفهم والمودة والتقبل والحب غير المشروط، ومنح الطفل فرصة اتخاذ بعض القرارات واستشارته في بعض الأمور مما يساعده لبناء ثقته بنفسه وقدرته على التواصل والتعبير عن رأيه، بالإضافة إلى تقديم الدعم النفسي للطفل من خلال مدحه وتقدير ذاته عند تحقيق النجاح ومواساته عند الفشل والإخفاق دون توبيخه أو الإقلال من شأنه.

وفي الختام المرونة النفسية تعني النهوض مجدداً بعد التعرض للعقبات والضغوطات والتعافي بعد الصدمة، فإن سقطت سبعاً فأنهض ثمانية، فالطريق إلى المرونة عملية مستمرة تتطلب الوقت والجهد والصبر لتخطي الصعاب، فالحياة ليست طريق مفروش بالورد وليست مصاعب وشدائد دائمة بل هي مزيج بين النجاح والفشل، والحلو والمر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى